نورنيوز : من أهم جوانب سلوك إيران في الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة، وربما أقلها فهمًا، كيفية إدارتها "للرسالة الاستراتيجية". في الحروب، ما يحدد مصير المعادلات هو نوع الرسالة التي يوجهها الفاعلون إلى العدو والحلفاء والبيئة الإقليمية. في هذه الأزمة، حاولت إيران إيصال رسالتين تبدوان متناقضتين، لكنهما في الواقع متكاملتان: أولًا، أنها لا تخشى توسيع نطاق المواجهة والصراع، بل تسعى إلى استغلال هذا التوسع الجغرافي للحرب؛ وثانيًا، أنها لا تسعى إلى انعدام الأمن الدائم في المنطقة، وتؤمن إيمانًا راسخًا بالتعاون الإقليمي. هذه الازدواجية كانت جوهر استراتيجية إيران في إضفاء الطابع الإقليمي على الحرب.
عندما أعلنت إيران عزمها على توسيع نطاق الحرب لتشمل منطقةً بأكملها، وأن أي دولة تُشارك في العملية ضدها ستُعرّض نفسها لردّ إيراني، فقد أرست بذلك قاعدة ردع جديدة. كانت الرسالة واضحة: لم يعد بالإمكان اختزال الحرب ضد إيران إلى عملية محدودة ومنخفضة التكلفة؛ أي أن دول المنطقة لم تعد قادرة على التمتع بمزايا المشاركة في تحالف مناهض لإيران مع البقاء بمنأى عن تكاليفه.
في الماضي، تصوّر العديد من الفاعلين الإقليميين أن المواجهة الأمريكية أو الإسرائيلية مع إيران ستكون بمثابة حرب "خارج الديار" بالنسبة لدول المنطقة؛ حربًا لا تعدو كونها فيها دور المُيسّر، لا جزءًا من ساحة المعركة. لكن إيران غيّرت هذا التصوّر بشنّها هجمات مباشرة وتوسيع نطاق الرد. عند هذه النقطة تحديدًا، أصبحت سياسة توسيع نطاق الحرب لتشمل منطقةً بأكملها منطقية: نقل التكلفة من مركز الصراع إلى شبكة المشاركين بأكملها.
لم تكن هذه الاستراتيجية مجرد عملية عسكرية، بل كانت أيضًا عملية نفسية جيوسياسية. أرادت إيران ترسيخ فكرة في أذهان دول المنطقة مفادها أن أمن الخليج العربي ليس أمنًا منفصلاً. فإذا ما شعرت إيران بانعدام الأمن، فلن يشعر أي طرف في المنطقة بأمان دائم. وقد أدى هذا المنطق، في الواقع، إلى خلق نوع من "الترابط الأمني القسري".
وفي هذا السياق، تكتسب قضية مضيق هرمز أهمية بالغة. فقد دأبت إيران على التأكيد على موقعها الجيوسياسي في هذا الممر الاستراتيجي لسنوات، ولكن في الأزمة الأخيرة، لم تعد هذه القضية مجرد تهديد لفظي، بل أصبحت جزءًا من استعراض إيران لإرادتها السياسية والسيادية. كانت الرسالة واضحة: لا تزال إيران قادرة على التأثير في شريان الطاقة العالمي، ويمكنها نشر تبعات أي صراع على مستوى العالم.
لم نوجه إشارة "العدوان".
ولكن الأهم من ذلك، أن إيران حاولت في الوقت نفسه موازنة هذا السلوك العدواني برسالة سياسية أكثر ليونة، ألا وهي إعادة طرح فكرة الأمن الجماعي الإقليمي. كان هذا الجانب من استراتيجية إيران أقل وضوحًا، ولكنه ربما كان أكثر أهمية من الناحية الدبلوماسية. تحاول طهران في جوهرها أن تقول لدول المنطقة: "إذا دخلتم في تحالف ضدنا، فستدفعون الثمن؛ أما إذا قبلتم منطق التعاون الإقليمي، فإن إيران لا تشكل تهديدًا لكم".
هنا نواجه لعبة إشارات معقدة. ففي أدبيات العلاقات الدولية، عادةً ما تجد الحكومات نفسها بين خطرين: إما أن تظهر بمظهر المتساهل فترسل إشارة ضعف وخوف، أو أن تتصرف بعدوانية مفرطة فترسل إشارة عدوان وتهديد، ما يدفع الآخرين لتشكيل تحالفات ضدها. يكمن فن الاستراتيجية في إيجاد توازن بين الردع والطمأنة. وقد نجحت إيران في تحقيق هذا التوازن في هذه الأزمة.
لم ترغب إيران في إرسال إشارة خوف؛ لأن الخوف في الشرق الأوسط يُفسَّر غالبًا على أنه دعوة لمزيد من الضغط. في هذا المناخ الجيوسياسي، لا يكتسب الطرف الذي يبدو ضعيفًا أو مترددًا مزيدًا من الأمان فحسب، بل يواجه أيضًا ضغوطًا أوسع. لذلك، حاولت طهران أن تُظهر استعدادها لتوسيع نطاق الصراع إذا ما شعرت بالتهديد، ولم تتردد في استخدام نفوذها الجيوسياسي.
لكن في الوقت نفسه، لم ترغب إيران في الظهور بمظهر القوة التوسعية الخارجة عن السيطرة. ولذلك، ركزت على فكرة الأمن الجماعي والتعاون الإقليمي لإيصال رسالة مفادها أن الهدف ليس الهيمنة على المنطقة، بل منعها من أن تصبح ساحة دائمة للعمليات ضدها. هذه هي النقطة الدقيقة والمعقدة التي يغفل عنها كثير من المحللين. ففي هذه الأزمة، لم تكن إيران تسعى ببساطة إلى استعراض قوتها العسكرية، بل كانت تعيد تعريف قواعد التصور الأمني في المنطقة. أرادت طهران ترسيخ معادلة مفادها أن الأمن الإقليمي إما أن يكون "مشتركًا" أو أنه لن يكون له وجود أصلًا.
في الواقع، حاولت إيران الربط بين "الردع القوي" و"دعوة التعاون". فمن جهة، أظهرت قدرتها وإرادتها على الرد، ومن جهة أخرى، أكدت أن سبيل تخفيف التوتر يكمن في المشاركة الإقليمية والتخلي عن النموذج الأمني المستورد. هذا المزيج هو ما يمكن تسميته بسياسة "لا إظهار للخوف، ولا إظهار للعدوان".
بطبيعة الحال، يتوقف نجاح هذه الاستراتيجية في نهاية المطاف على سلوك الفاعلين الإقليميين والقوى الخارجية في المستقبل. فإذا استمرت دول المنطقة في تعريف أمنها بالتحالف مع قوى خارجية فقط، سيبقى احتمال تكرار الأزمة مرتفعاً. أما إذا ترسخ التفاهم بأن أي حرب ضد إيران ستزعزع استقرار المنطقة بأسرها، فربما ترتقي فكرة الأمن الجماعي من مجرد شعار إلى ضرورة جيوسياسية.