تصريحات وزير الخارجية هذه، جاءت في كلمة له اليوم الخميس امام الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الدول الأعضاء في مجموعةالـ "بريكس"، والذي جاء بعنوان "إعادة بناء النظام العالمي؛ ضرورة إصلاح الحوكمة الدولية وإحياء التعددية".
وفيما يلي النص الكامل لكلمة وزير الخارجية:
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الرئيس، زملائي الأعزاء،
يعيش العالم اليوم عصرا من عدم الاستقرار الهيكلي وأزمة عميقة في الثقة. فالهياكل التي تحكم النظام الدولي، والتي صُممت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد قادرة على تلبية حقائق القرن الحادي والعشرين. كما ان الفجوة بين القوى الناشئة وهياكل صنع القرار التقليدية لا تهدد الاستقرار العالمي فحسب، بل تغذي أيضا ظلما واسع النطاق في توزيع القوة والثروة وفرص التنمية.
إن ما نشهده اليوم في بعض المؤسسات الدولية ليس "تعددية"، بل هو محاولة للحفاظ على "أحادية القطب" تحت غطاء القوانين الدولية. إن الاستخدام الأداتي للقوانين، وفرض العقوبات الأحادية، وتجاهل حقوق الدول وسيادتها الوطنية، كلها مؤشرات على أزمة عميقة في الحوكمة العالمية. إن النظام الذي يُفوّض القرارات الحيوية والمصيرية للبشرية لفئة محدودة من الدول، ويتجاهل مصالح الدول النامية، فقد شرعيته. هذا النهج القائم على القوة المطلقة لا يضمن السلام فحسب، بل هو السبب الرئيسي للتوترات الإقليمية والعالمية.
في هذا السياق، لا يمكن التغاضي عن أحد الأدوات الرئيسية لزعزعة الاستقرار العالمي ألا وهي العقوبات الأحادية. لقد تحولت العقوبات اليوم من أدوات دبلوماسية الى أسلحة للحرب الاقتصادية والضغط على المجتمعات النامية والمستقلة. هذه الإجراءات، التي تُنفذ في انتهاك صريح للقوانين الدولية، لا تستهدف الحكومات فحسب، بل تستهدف الحقوق الأساسية للإنسان-بما في ذلك الحق في الحياة والصحة والغذاء والتنمية. إن العقوبات المفروضة على الشعوب هي إجراءات غير قانونية وتُشوش النظام الاقتصادي العالمي، وهدفها يتجاوز حل النزاعات وممارسة الضغط لتغيير السلوك السياسي. تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن مواجهة هذا "الإرهاب الاقتصادي" وإنشاء آليات مالية مستقلة في إطار مجموعة الـ"بريكس" هو ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على استقلال الدول وسيادتها الوطنية.
ايها السيدات والسادة؛
يشهد العالم اليوم عودة إلى عصر الحروب التي لا نهاية لها، والعنف الصارخ المكشوف، والأحادية المتطرفة. لقد تلاشت مُثُل السلام والحرية واحترام حقوق الإنسان وكرامته، وحل محلها التباهي بالإبادة الجماعية والنهب والعدوان. لقد اختُزل تطبيق القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة من قبل المعتدين الأقوياء إلى مجرد ألفاظ وأكاذيب لتبرير الحرب والاحتلال. لقد خفّضت معظم المنظمات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، من نطاق سلطتها التشريعية أمام الغطرسة أحادية الجانب.
في مثل هذه الظروف، فإن فكرة التعددية في بلدان الجنوب العالمي-التي قامت عليها مجموعة الـ"بريكس" وتتجسد فيها-أصبحت أكثر من أي وقت مضى ضرورية وحيوية من أجل احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والحوكمة العالمية. ويلتزم أعضاء مجموعة الـ"بريكس" بتنفيذ مبادئ هذا الميثاق والدفاع عنها.
إن مبدأ عدم استخدام القوة، كمبدأ بارز ومحوري في ميثاق الأمم المتحدة وإنجاز إنساني في خضم التجارب المريرة للحروب العالمية، يواجه الآن تحديا خطيرا من قبل الولايات المتحدة. فإن الحروب غير القانونية والأحادية التي تشنها هذه الدولة، والتي كانت قد أوصلت أساس النظام الدولي القائم على العدالة والتعددية إلى حافة الانهيار، قد امتزجت الآن بالوحشية والهمجية.
من هنا، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظمات الدولية، ولا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. الإصلاحات التي ننشدها هي إصلاحات من أجل "توزيع عادل للسلطة"، وليست مجرد تغيير في الاسم أو في تشكيلة الأعضاء. إننا نسعى إلى نظام يكون فيه: العدل بديلا عن القوة، السيادة الوطنية هي المبدأ الأول، حقوق جميع البشر محترمة ويُقبل التنوع الثقافي والسياسي.