نورنيوز : مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في أوروبا، لا سيما في قطاعي الطاقة والزراعة، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية يوم الأحد أن وزير الدفاع البريطاني، جون هالي، سيرأس، إلى جانب نظيرته الفرنسية، كاثرين فوتران، الاجتماع الأول لوزراء دفاع بعثة متعددة الجنسيات بمشاركة أكثر من 40 دولة.
في غضون ذلك، صرّحت مود بيرجون، المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية: "منذ البداية، أكدنا بوضوح وثبات أن هذا الإجراء دفاعي بحت، وهدفه فتح مضيق هرمز".
زعمت وزارة الدفاع البريطانية أيضًا أن الهدف من هذا الإجراء هو "استعادة الثقة في الملاحة التجارية" فيما يتعلق بإرسال المدمرة "إتش إم إس دراغون" إلى المنطقة.
يُطرح هذا الادعاء ببناء توافق أوروبي لما يُسمى "فتح مضيق هرمز" في وقتٍ تُشير فيه مصطلحات مثل "الدفاعية" و"بناء الثقة التجارية" و"بناء الثقة البحرية" في الخطاب السياسي في لندن وباريس، بدلًا من أن تكون دليلًا على نهج مسؤول، إلى تبريرٍ أقل مصداقية لمغامراتٍ تُثير التوتر؛ نهجٌ يكشف عن استمرار التصورات الخاطئة للغرب عن واقع المنطقة والمسار المُتبع لإنهاء الأزمة التي افتعلتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
"الدفاع": حقيقة قانونية أم إساءة استخدام للمصطلحات؟
يُطرح الادعاء بأن إجراءات مثل إرسال سفن عسكرية إلى المنطقة هي إجراءات دفاعية، في حين أن تطبيق مفهوم "الدفاع" على دول تبعد آلاف الكيلومترات عن مضيق هرمز والخليج الفارسي يفتقر إلى أساس قانوني ودولي سليم.
في المقابل، يتجلى مفهوم الدفاع، والدفاع المشروع، بوضوح لا لبس فيه في حالة دولة كإيران؛ دولة ترتبط مياهها الإقليمية مباشرةً بالخليج الفارسي ومضيق هرمز، ويعترف المجتمع الدولي بحق إيران في الدفاع عن نفسها، وممارسة سيادتها، وفرض قيود قانونية في هذه المنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن الدول الغربية، بما فيها بريطانيا وفرنسا، تدّعي اليوم أنها "تدافع"، لكنها في الوقت نفسه ترفض الاعتراف بحقوق إيران القانونية والدولية في الدفاع المشروع عن نفسها ضد العدوان الأمريكي والصهيوني؛ وهو تناقض صارخ يُبرز غموض صدق ادعاءاتها.
وتُعدّ هذه التصرفات استمرارًا للنهج الثنائي الأناني نفسه الذي لا يُفضي إلا إلى إضعاف القانون الدولي وخلق انحرافات خطيرة في العلاقات الدولية؛ وهي عملية ستُمهد الطريق لأزمات وكوارث أكبر من خلال تغيير مواقع الظالم والمظلوم، والمدعي والمتهم.
هل هو "بناء ثقة بحرية" أم دعم للمعتدين؟
تزعم الحكومة البريطانية عدم رغبتها في الدخول في حرب مع إيران، بينما تتخذ في الوقت نفسه "بناء ثقة تجارية وبحرية" ذريعةً لإرسال سفن حربية إلى المنطقة؛ تناقض صارخ يكشف استمرار التضليل في سلوكها السياسي.
من جهة، يدرك الرأي العام العالمي تمامًا أن الأزمة الراهنة في مضيق هرمز متجذرة في العدوان الأمريكي، والحصار البحري، وسياسات واشنطن والنظام الصهيوني المُسببة للأزمة؛ لدرجة أن دونالد ترامب نفسه وصف سياسات أمريكا بأنها أشبه بسياسات القرصنة. مع ذلك، لم تكتفِ بريطانيا وحلفاؤها بعدم اتخاذ أي موقف نقدي تجاه سلوك الولايات المتحدة، بل استمروا في ترديد مواقف مجحفة ضد إيران.
من جهة أخرى، ومع استمرار احتلال الكيان الصهيوني ونزعته الحربية، أعلنت "حملة مكافحة تجارة الأسلحة" في بريطانيا أن وزارة التجارة والصناعة البريطانية أصدرت تراخيص جديدة لتصدير المعدات العسكرية إلى الكيان الصهيوني؛ وهي خطوة تُظهر أنه على الرغم من القيود المعلنة سابقًا، فإن عملية إرسال الأسلحة إلى تل أبيب لا تزال جارية.
وقد بلغ سلوك لندن المتناقض والوقح حدًا جعلها، بدلًا من إدانة جرائم الكيان الصهيوني - بما في ذلك القرارات الأخيرة بشأن احتلال الضفة الغربية وإعدام الأسرى الفلسطينيين - تُكرر مزاعم لا أساس لها من الصحة وتتحدث عن فرض عقوبات جديدة على إيران؛ وهو نهج تبنّاه أيضًا بعض الحلفاء الغربيين، بما في ذلك أستراليا.
ولا شك أن بناء الثقة الحقيقية له عناصر واضحة؛ فالصدق، والالتزام بالقانون، ودعم الحقيقة، ومواجهة منتهكي القانون الدولي هي الركائز الأساسية لأي عملية بناء ثقة.
ومع ذلك، فإن سلوك الدول المطالبة يتناقض تماماً مع هذه المبادئ، فمن جهة تتجاهل هذه الدول الحقوق القانونية والدولية لإيران، ومن جهة أخرى تستمر في دعم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني باعتبارهما العاملين الرئيسيين في الأزمة.
مضيق هرمز: السبيل الوحيد المتبقي للعودة إلى الواقع
يحاول قادة بعض الدول الغربية، بما فيها بريطانيا وفرنسا، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه، التغطية على إخفاقاتهم وفشلهم بتسليط الضوء على قضية الملاحة في مضيق هرمز، واستعراض القوة السياسية تحت ستار بناء التوافق. ويسعون لتبرير إجراءاتهم المتوترة باستخدام مصطلحات مثل "الدفاع" و"بناء الثقة"، في حين أن ازدواجية السلوك، وعدم الاكتراث بجرائم الكيان الصهيوني، وتجاهل حقوق إيران المشروعة، قد كشف زيف هذه الادعاءات.
والحقيقة التي لا جدال فيها هي أنه بعد حرب رمضان، شهدت معادلات المنطقة والعالم تحولاً جذرياً، وانتهى عهد السياسات القائمة على الضغط والتهديد والتلاعب بالألفاظ لتبرير النزعة العسكرية وتجاهل حقوق الشعوب. لقد قدمت إيران، بدورها، نموذجاً جديداً للتوازن والسلطة للعالم بالاعتماد على المقاومة وإعادة تعريف النظام الإقليمي.
واليوم، يُعد احترام حقوق إيران ومكانتها، والمواجهة الجادة للعوامل المُسببة للأزمة، وتحديداً الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز، السبيل الوحيد لإزالة العقبات وإعادة الاستقرار إلى هذا الممر الاستراتيجي. ومن البديهي أن أي عمل استفزازي سيُقابل برد حاسم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولن يجلب للمغامرين سوى الهزيمة والعار والخسائر الفادحة.