مصادر دبلوماسية مطلعة اعتبرت أن ترتيب الزيارات إسلام آباد أولاً ثم موسكو لم يكن عشوائياً، بل جاء كرسالة واضحة مفادها أن المسار التفاوضي مع الإدارة الأمريكية أصبح متخبطاً وفاقداً لأي أفق حقيقي، وأن طهران تبحث عن بدائل استراتيجية لمواجهة ما يكون مخططاً أمريكياً عدوانياً واسعاً.
على الجانب الآخر، ورغم التصريحات الأمريكية المتكررة عن الانفتاح على الحل الدبلوماسي، تشير تحليلات الاستخبارات الغربية إلى أن واشنطن تعمل فعلياً على عرقلة أي اتفاق، لأنها المستفيد الأكبر من استمرار الأزمة الراهنة. فإغلاق مضيق هرمز، الذي لا تزال القوات الإيرانية تلوح به كورقة ضغط، أدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار الطاقة على مستوى العالم، وهو ما تصفه دوائر صنع القرار في واشنطن بأنه "فرصة ذهبية" لا يُمكن التفريط بها بسهولة للإستفادة من النفط الفنزويلي وهو ما يسعى لتحقيقه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.
المثير للقلق أن التحضيرات تجري لشن هجوم بري على إيران، وهي خطوة كانت تعتبر حتى وقت قريب مستبعدة لصالح الضربات الجوية أو الهجمات السيبرانية. لكن مصادر استخباراتية داخل الأوساط الأمريكية كشفت أن السؤال المطروح حالياً ليس هل سينفذ الهجوم، بل كيف سينفذ؟ وهنا ينقسم الخبراء فهنالك من يرى أن ترامب سيدخل بقواته البرية النظامية مباشرة إلى العمق الإيراني، في مغامرة عسكرية غير مسبوقة. والطرف الأخر يرى أن ترامب سيوظف الأكراد كقوة بديلة لتنفيذ الهجوم البري، مما يمنح واشنطن غطاءً من الإنكار ويحميها من تبعات المواجهة المباشرة.
ويعزز هذا السيناريو ما تداولته الأنباء في الأسابيع الأخيرة عن تسليح خفي للأكراد بأموال أمريكية، حيث أكدت تقارير استخباراتية أن أسلحة متطورة وصلت إلى وحدات كردية في مناطق متاخمة للحدود الإيرانية، دون أن يتمكن أي طرف من تحديد المصدر الدقيق لهذه الأسلحة. ما يعزز الشكوك بأن هناك تنسيقاً سرياً يجري التحضير له لاستخدام هذه القوات كورقة في أي هجوم بري مستقبلي.
المتخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية سماهر الخطيب، ترى إن زيارة عراقجي إلى موسكو "تحمل أبعادًا تتجاوز التنسيق الثنائي التقليدي، إذ تسعى طهران إلى إشراك روسيا في صياغة توازنات ما بعد الحرب، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو في ما يتعلق بإعادة ترتيب أولويات التفاوض مع الولايات المتحدة. فإيران، التي خرجت من المواجهة بتحديات عسكرية واقتصادية واضحة، تدرك أن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالقوة، بل عبر تفاهمات سياسية معقّدة تحتاج إلى دعم قوى دولية فاعلة، وفي مقدمتها موسكو"، ورأت المتخصصة في العلاقات الدولية بأن "موسكو تبدو شريكًا محوريًا لطهران، ليس فقط بحكم علاقتهما الاستراتيجية، بل أيضًا لدورها المحتمل كوسيط أو ضامن في أي اتفاق مستقبلي. فروسيا، التي تسعى إلى تعزيز حضورها في الشرق الأوسط، قد تجد في هذه الأزمة فرصة لإعادة تثبيت موقعها كلاعب رئيسي في إدارة التوازنات الإقليمية، خصوصًا في ظل تراجع الثقة بين إيران والولايات المتحدة، وتزايد الاعتماد على الوساطات غير المباشرة".
وأشارت الخطيب إلى أن"المعطيات تشير إلى أن هذه الزيارة، تهدف إلى بحث دور روسيا في أي ترتيبات أمنية تخص المنطقة والدول المجاورة لايران، خصوصًا ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز. وتبرز هذه النقطة تحديدًا كأحد الملفات المحورية في نقاشات ما بعد الحرب، إذ تحوّل المضيق خلال الصراع إلى أداة ضغط استراتيجية بيد طهران، بعدما أدى تعطيل الملاحة فيه إلى اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية، ومن هنا، فإن أي تسوية مستقبلية ستحتاج إلى إطار واضح يضمن أمن هذا الممر الحيوي، وهو ما تحاول إيران تسويقه ضمن رؤية تقوم على ترتيبات إقليمية بعيدًا عن التدخلات الخارجية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام تفاهمات دولية تضمن مصالح جميع الأطراف".
ونوهت الخطيب إلى أن "انخراط موسكو في نقاشات ما بعد الحرب يمنح إيران هامشًا أوسع للمناورة، عبر موازنة الضغوط الغربية بدعم دولي مضاد، وهو ما قد ينعكس على طبيعة أي اتفاق محتمل، سواء من حيث شروطه أو آليات تنفيذه".
وختمت الخطيب بالقول: "في المحصلة، لم تكن هذه الزيارة مجرد جولة دبلوماسية عابرة، كما لم تحمل فقط دلالات كسر الجمود التفاوضي أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب بل حملت أيضاً مؤشراً استباقياً قرأت فيه طهران نية واشنطن الحقيقية بالدخول براً إلى أراضيها، وحاولت من خلاله حشد الدعم الروسي لمواجهة تهديد لم يعد احتمالياً، بل بات يتحضّر له في الخفاء". ومع استمرار غموض مصير المفاوضات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو هل سيكرر ترامب السيناريو العراقي في إيران أم أنه سيستخدم الأكراد لتحقيق؟ وهل ستنجح إيران في صد الهجوم البري بغض النظر عما إذا كان بقوات أمريكية او كردية؟