نورنيوز: شنّ دونالد ترامب، بنهجه الهيمني وتركيزه على المناطق الاستراتيجية والغنية بالنفط، حروبًا عديدة خلال فترة رئاسته التي دامت عامًا واحدًا لترسيخ الهيمنة الأمريكية. إلا أن حرب رمضان واستعراض إيران وجبهة المقاومة أفشلا هذا المشروع وحوّلاه إلى كابوس لأحلامه.
دفع عجزه عن تحقيق الأهداف العسكرية ترامب إلى استخدام أدوات أخرى لإدارة الأزمة. في غضون ذلك، واجهت الولايات المتحدة أزمة داخلية غير مسبوقة؛ أزمة تجلّت في اغتيال واختفاء علماء بارزين.
ردًا على استفسارات الصحفيين بشأن اختفاء أو مقتل علماء ممن لديهم إمكانية الوصول إلى معلومات سرية في المجالين النووي والفضائي، أكد ترامب على خطورة الأمر، مشيرًا إلى أن بعض هؤلاء الأفراد من بين أهم الشخصيات؛ وهو تعليق يُظهر عمق الأزمة.
نمط الاغتيالات المتكرر والدور المباشر للموساد
تم تنفيذ اغتيال العلماء الأمريكيين وفقًا للنمط العملياتي نفسه الذي استخدمه الموساد سابقًا في دول مختلفة؛ وهو نمط قائم على عمليات مُستهدفة ومُستندة إلى المعلومات، والتصفية الدقيقة للنخب العلمية.
سبق تطبيق هذا النمط في اغتيال علماء نوويين في إيران والعراق ومصر، وها هو يتكرر الآن بالطريقة نفسها داخل الولايات المتحدة. يُعد اغتيال 11 عالمًا أمريكيًا مثالًا واضحًا على نقل هذا النمط إلى صميم البنية العلمية والأمنية للولايات المتحدة.
لطالما ارتبطت سياسة السرية النووية للكيان الصهيوني باغتيال نخب دول أخرى للحفاظ على تفوقه الأمني والعسكري. تُتبع الاستراتيجية نفسها الآن بهدف السيطرة على القدرات التكنولوجية الأمريكية.
إن صمت أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وانعدام شفافيتها، لم يُبدد الغموض فحسب، بل أكد أيضًا دور الموساد في هذه الاغتيالات.
النفوذ الهيكلي والإدارة الخفية من الداخل
وفر نفوذ الموساد في أجهزة الاستخبارات الأمريكية وهياكل صنع القرار الأساس لهذه الاغتيالات. وقد ساهمت تسريبات المعلومات السرية من مؤسسات ذات صلة بالمجالين النووي والتكنولوجي في تحديد هوية العلماء والقضاء عليهم.
وتشير التحذيرات المتكررة بشأن تسريب المعلومات من المؤسسات الدولية والروابط المشبوهة في هذه الهياكل إلى عمق النفوذ الذي يُتيح مثل هذه العمليات.
وفي السياق نفسه، حال النفوذ في أجهزة مثل وكالة الاستخبارات المركزية دون إجراء أي تحقيق شفاف في اغتيال 11 عالمًا. وكما حدث في أحداث 11 سبتمبر، حيث ظلت الحقيقة طي الكتمان رغم الأدلة الكثيرة، يُتبع نهج مماثل في هذه القضية.
يهدف هذا النفوذ إلى خلق تبعية تكنولوجية وهيمنة على البنية التحتية الحيوية لأمريكا، بما يُمكّن من التحكم في قراراتها الاستراتيجية.
تغير الرأي العام وردود الفعل تجاه النفوذ
استجابةً لهذا التوجه، شهد الرأي العام الأمريكي تغيراتٍ جوهرية. فقد خلص قطاعٌ واسع من المجتمع إلى أن الاعتماد على النظام الصهيوني قد كلّف بلادهم ثمناً باهظاً.
ويُعدّ انتشار الاحتجاجات المناهضة للصهيونية في الجامعات والمراكز الأكاديمية دليلاً على هذا التغير في المواقف. كما أن 70% من المجتمع الأمريكي يعارضون الحرب على إيران، مما يُشير إلى نأي الناس بأنفسهم عن السياسات المفروضة.
وقد برز هذا التباين أيضاً في الساحة السياسية؛ بما في ذلك استقالة مسؤول مكافحة الإرهاب الأمريكي، الذي أكد أن إيران لا تُشكّل تهديداً للولايات المتحدة وأن دخول الحرب كان يصبّ في مصلحة إسرائيل فقط. كذلك، يُشير تزايد المطالبات في الكونغرس بوقف المساعدات العسكرية إلى تراجع نفوذ النظام.
في ظل هذه الظروف، يسعى النظام الصهيوني إلى الحفاظ على سيطرته بالاعتماد على أدواتٍ كاغتيال العلماء وتعميق نفوذه؛ لدرجة أن التقرير اليومي الذي يقدمه نائب الرئيس الأمريكي إلى تل أبيب يُعتبر دليلاً على هذا النفوذ.
وبناءً على ذلك، يُعد اغتيال أحد عشر عالماً أمريكياً على غرار الموساد جزءاً من استراتيجيةٍ شاملة للسيطرة على الموارد البشرية والتكنولوجية، والهيمنة في نهاية المطاف على هيكل صنع القرار الأمريكي. هذا العمل، وإن كان يُثير أزمةً داخلية، إلا أنه يُعزز التبعية الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، بنقل نموذج الاغتيال إلى الولايات المتحدة، يرتقي الموساد فعلياً بالحرب السرية إلى مستوى جديد، ويستخدم تصفية النخب كأداةٍ لترسيخ التبعية، وتوطيد النفوذ، والهيمنة.