نورنيوز: أعادت التطورات الجيوسياسية الأخيرة في مضيق هرمز، الناجمة عن حرب التحالف الأمريكي الصهيوني ضد إيران، تسليط الضوء على هذا الممر الاستراتيجي في الاقتصاد العالمي. فقد أصبح المضيق، الذي عُرف لسنوات طويلة كشريان حيوي لنقل النفط، نقطة حساسة في إمداد المواد الخام الأساسية. وتشير بيانات جديدة إلى أن عدم الاستقرار في هذه المنطقة لم يتسبب فقط في تقلبات سوق الطاقة، بل أدى أيضاً إلى اضطراب خطير في سلسلة إمداد المعادن والمواد الكيميائية الحيوية.
ومن أبرز مؤشرات هذه الأزمة الارتفاع الكبير في أسعار الكبريت. بحسب المعلومات المتاحة، ارتفع سعر الكبريت إلى 900 دولار أمريكي، بعد أن كان حوالي 500 دولار قبل 28 فبراير/شباط، أي بزيادة تقارب 80%، مما يشير إلى ضغط شديد على إمداداته في السوق العالمية. ولا يقتصر هذا الارتفاع على الإشارة إلى نقص محتمل، بل يثير أيضاً مخاوف بشأن استمرار توافر المواد الخام. يلعب الكبريت دوراً محورياً في مختلف الصناعات، فهو عنصر أساسي في استخلاص المعادن ومعالجتها، وخاصة النيكل. ويُستخدم ما بين 8 و10 أطنان من الكبريت لإنتاج كل طن من النيكل، مما يضاعف أهميته في الصناعات الحديثة، مثل إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.
في الواقع، أي انقطاع في إمدادات الكبريت قد يؤدي مباشرةً إلى زيادة تكلفة الإنتاج في سلسلة التكنولوجيا الخضراء، ويُعيق تطوير الطاقة النظيفة. وتُعد منطقة الشرق الأوسط، جغرافياً، من أهم مراكز إنتاج الكبريت في العالم، وتتصدر المملكة العربية السعودية قائمة الدول المنتجة له في المنطقة، بإنتاج سنوي يبلغ حوالي 7.2 مليون طن. تليها الإمارات العربية المتحدة بـ 6.3 مليون طن، ثم إيران بـ 2.5 مليون طن. وتُعدّ الكويت، بـ 1.3 مليون طن، وقطر، بنحو 3.1 مليون طن، من اللاعبين المهمين الآخرين في هذا السوق. وقد أدّى تركيز هذا الحجم من الإنتاج في منطقة تتأثر بشدة بالتوترات السياسية إلى زيادة مخاطر سلاسل التوريد بشكل ملحوظ.
لكن أهمية مضيق هرمز لا تقتصر على الكبريت، إذ تلعب المنطقة دورًا محوريًا في إنتاج وتوريد مواد استراتيجية أخرى. ووفقًا للبيانات المتاحة، يُنتج الشرق الأوسط نحو 9% من الألومنيوم الأولي في العالم، وهو معدن يُستخدم في صناعات متنوعة، من البناء إلى السيارات والفضاء. وأي اضطراب في طرق التصدير بالمنطقة قد يؤثر على إمدادات الألومنيوم العالمية. إضافةً إلى ذلك، يُعدّ حقل غاز جنوب فارس، الذي تتشارك فيه إيران وقطر، أحد أهم مصادر إنتاج الهيليوم في العالم، إذ يُزوّد هذا الحقل وحده نحو ثلث إنتاج الهيليوم العالمي. يُعدّ الهيليوم غازًا حيويًا في الصناعات المتقدمة، بما في ذلك المعدات الطبية وأشباه الموصلات وتقنيات الفضاء.
لذا، فإن أي اضطراب في إنتاجه أو صادراته قد يُفضي إلى عواقب عالمية واسعة النطاق. والجدير بالذكر أن الأزمة في مضيق هرمز تستهدف حاليًا في آنٍ واحد سلاسل إمداد حيوية متعددة، بدءًا من الطاقة والوقود وصولًا إلى المعادن والمواد الخام اللازمة للصناعات المتقدمة. وقد يُؤدي هذا التداخل بين الأزمات إلى تأثير مضاعف على الاقتصاد العالمي، وزيادة الضغوط التضخمية في مختلف القطاعات.
في ظل هذه الظروف، تُصبح الصناعات التي تعتمد على المواد الخام، كصناعات السيارات والإلكترونيات والطاقة المتجددة، أكثر عرضةً للمخاطر من غيرها. فارتفاع أسعار المواد الخام لا يزيد تكاليف الإنتاج فحسب، بل قد يُؤدي أيضاً إلى تأخير المشاريع الصناعية وإبطاء وتيرة الابتكار التكنولوجي.
باختصار، ما يحدث في مضيق هرمز اليوم يُشير إلى تغير طبيعة الأزمات العالمية. لم يعد بالإمكان اعتبار هذه المنطقة مجرد ممر نفطي، بل يجب اعتبارها إحدى أهم نقاط الاختناق في إمدادات المواد الخام الحيوية في العالم. إن استمرار حالة عدم الاستقرار في هذه المنطقة، والناجم عن العدوان الوحشي للولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، قد يُغير موازين القوى في الأسواق العالمية، ويُبرز اعتماد الاقتصاد العالمي على هذا المسار الاستراتيجي بشكلٍ جليّ.