نورنيوز : صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسانت صراحةً بأن "ترامب سيتخذ أي إجراء ضروري لتحقيق أهدافه في الحرب مع إيران"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن "جميع الخيارات مطروحة". كما زعم أيضًا: "نظام القيادة والسيطرة الإيراني في حالة فوضى عارمة؛ إنه أشبه بمخبأ هتلر... ما ترونه الآن هو في الغالب عمليات متفرقة وفردية". تأتي هذه التصريحات في حين تكشف الحقائق الراهنة على أرض الواقع صورةً مختلفة تمامًا. فاستمرار العمليات الدقيقة، والردود المنسقة، والضربات الموجهة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، يشير إلى وجود هيكل قيادة نشط ومتماسك ومتعدد المستويات. لا يقتصر هذا التفاعل الديناميكي على دحض فرضية الفوضى فحسب، بل يشير أيضًا إلى مستوى عالٍ من التنسيق العملياتي الذي مكّن من الحفاظ على زمام المبادرة في الميدان.
الرواية الهوليوودية ووظائفها
على المستوى الكلي، يقوم النهج السائد بين مسؤولي البيت الأبيض، بدءًا من دونالد ترامب وصولًا إلى كبار الوزراء، على نوع من بناء الإنجازات الدرامية التي تحاول استبدال الحقائق الميدانية بصور إعلامية. يتشكل هذا النمط بهدف إخفاء الإخفاقات والسيطرة على الرأي العام، وهو يعكس، بطريقة ما، النظرة "الهوليوودية" للحرب. مع ذلك، تفتقر هذه الروايات إلى الاستقرار اللازم بسبب التناقضات الداخلية. فمن جهة، هناك ادعاء بالنصر، ومن جهة أخرى، هناك دعوة لدول أخرى لدخول الحرب لفتح مضيق هرمز. كما أن إدراك التكاليف الباهظة للحرب، بالتزامن مع إظهار السلطة، قد فاقم هذه الازدواجية. وقد أسفر هذا الوضع عن اتساع الفجوة داخل الولايات المتحدة، من احتجاجات الكونغرس إلى السخط الشعبي، وتراجع المصداقية الدولية لهذه الروايات.
انتكاسات استراتيجية ومؤشرات على اليأس
تشير سلسلة من التغييرات في المواقف والتراجعات إلى عجز عن وضع استراتيجية مستدامة. فمن المطالبة بفتح مضيق هرمز إلى الانسحاب منه، ومن التهديد بمهاجمة منشآت الطاقة إلى تغيير النهج بعد الردود الإيرانية، كل ذلك يدل على أن القرارات الأمريكية أصبحت ذات توجه رد فعلي. حتى تحديد المواعيد النهائية أدى إلى تغيير في الموقف وظهور مطالب جديدة. ويمكن ملاحظة هذا الوضع أيضاً في أداء بنيامين نتنياهو؛ حيث امتنع، بعد رد إيران على الهجمات، عن تكرار أعمال مماثلة وطلب الدعم الخارجي. يشير هذا التوجه إلى انتقال تدريجي للمبادرة إلى إيران ووضع الطرف الآخر في موقف سلبي. في غضون ذلك، يبرز سؤال جوهري: إذا كانت مزاعم إضعاف إيران صحيحة، فكيف يمكن تفسير استمرار الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة بهذه الدقة والفعالية؟ هذه الحقيقة وحدها تشكل تحدياً خطيراً للروايات الرسمية.
ترسيخ التفوق الاستراتيجي الإيراني في معادلات الحرب
بالاعتماد على مجموعة من مقومات القوة، تمكنت إيران من إعادة صياغة معادلات الحرب لصالحها. وتُشكل الوحدة الوطنية، وتماسك البنية السياسية، والمرونة الاقتصادية، والقدرة العسكرية، الركائز الأساسية لهذا التفوق. وقد أدت هذه العوامل إلى فقدان الضغوط الخارجية فعاليتها، فضلاً عن تعزيز التماسك الداخلي. وكان لدور مضيق هرمز، كأداة جيوسياسية، أثر حاسم على المعادلات العالمية، ورفع من تكلفة أي عمل عسكري. إضافةً إلى ذلك، أتاح استمرار امتلاك إيران للصواريخ والطائرات المسيّرة إمكانية ممارسة ضغوط طويلة الأمد، وغير موازين القوى. وعلى الصعيد الدولي، يُعدّ افتقار إيران للدعم من حلفاء أمريكا في دخول الحرب مؤشراً على تراجع قدرتها على بناء التوافق. في ظل هذه الظروف، لن يُحسم مصير الحرب عبر الخطابات الإعلامية، بل على أرض الواقع، استناداً إلى موازين القوى الحقيقية، حيث ستُوجّه إيران، من خلال الحفاظ على زمام المبادرة، مسار الأحداث نحو تحقيق أهدافها.