نورنيوز – في تقييم التطورات الأخيرة، هناك سوء فهم شائع: التركيز المفرط على الجاهزية اللوجستية الأمريكية. الحقيقة أن المشكلة الرئيسية لواشنطن ليست نقص القدرة العسكرية، بل العجز عن صياغة سيناريو عملياتي يمكن التنبؤ بنهايته. أمريكا قادرة على الهجوم، لكنها لا تعرف ماذا سيحدث بعد الهجوم؛ وهذا «عدم المعرفة» بالذات هو نقطة الردع الحقيقية.
خلافًا للاعتقاد الشائع، مشكلة أمريكا ليست «بدء الحرب»؛ المشكلة هي إدارة سلسلة التبعات. كل سيناريو عسكري ضد إيران يواجه مجموعة من عدم اليقين المتشابكة التي لا يستطيع أي غرفة عمليات السيطرة عليها بشكل كامل.
أول وأهم غموض هو رد إيران؛ ليس فقط هل سترد أم لا، بل كيف سترد، وأين، وبأي شدة، وفي أي وقت. التجربة أظهرت أن إيران ليست ملزمة بالضرورة بنمط رد متكافئ أو فوري، وهذه الخاصية بالذات تقلل إلى الحد الأدنى من قابلية التنبؤ لدى المخططين الأمريكيين.
إحدى العقد الرئيسية في السيناريو الأمريكي هي مصير إسرائيل. إذا تعرضت إسرائيل لضربة وأصيبت بأضرار معنوية، فإن الصراع يتحول من «عملية محدودة» إلى أزمة إقليمية شاملة.
في الوقت نفسه، رد فعل محور المقاومة يمكن أن يوسع جغرافيا الصراع من الخليج الفارسي إلى البحر المتوسط؛ وهي حالة يصعب السيطرة عليها حتى بالنسبة لجيش بقدرات أمريكا.
لا يمكن تصور أي سيناريو هجوم دون الأخذ في الاعتبار سوق الطاقة. تعطل تدفق النفط – وهو نتيجة محتومة لأي صراع جديد – سيؤدي فورًا إلى قفزة في الأسعار، وهذه القفزة ستضرب السياسة الداخلية الأمريكية مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، إلحاق الضرر ببنية الطاقة والمنشآت العسكرية في دول الخليج الفارسي يعني تحويل حلفاء أمريكا إلى نقاط ضعف؛ أمر لا تقبله تلك الدول ولا تستطيع واشنطن تجاهله بسهولة.
داخل الولايات المتحدة، الحساسية تجاه الحروب ذات النهايات المجهولة مرتفعة جدًا. تجربة العراق وأفغانستان لا تزال حية. أي هجوم لا يستطيع إنتاج «إنجاز واضح وقابل للتفسير» يمكن أن يؤجج الانقسام السياسي الداخلي ويزيد من تكلفة صانعي القرار.
على المستوى الدولي، تواجه أمريكا عدة عقد في آن واحد. حرب أوكرانيا، أزمة غزة، والجهود لإدارة النظام العالمي في مواجهة الصين، كلها تحد من موارد واشنطن وتركيزها. في هذا السياق، دور الاتحاد الأوروبي حاسم: من غير المرجح أن يتصرف الأوروبيون كحليف يُعتمد عليه. الاعتماد على الطاقة، والإجراءات الانتقامية ردًا على الإهانات المتكررة، والاعتبارات الاقتصادية، والخوف من عدم الاستقرار الإقليمي، كلها تدفع الأوروبيين نحو الحذر والابتعاد العملي، وليس نحو المشاركة النشطة مع واشنطن.
في الإطار ذاته، ردود فعل الصين وروسيا – حتى بدون تدخل عسكري مباشر – يمكن أن تزيد تكلفة الفعل الأمريكي بشكل ملحوظ عبر الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية.
من بين أهم المتغيرات المهملة في التحليلات العسكرية: الملف النووي الإيراني. حتى في أكثر السيناريوهات تشاؤمًا، لا تستطيع أمريكا أن تقول بثقة إن قصف المنشآت النووية سيؤدي إلى تدمير كامل للمواد المخصبة، خاصة المخزونات ذات النسبة 60%. هذا عدم اليقين يقوض أساس منطق الهجوم.
الصناعة النووية الإيرانية محلية الصنع؛ استمرارها لا يعتمد على بنية تحتية مستوردة، بل مرتبط بإرادة سياسية ووطنية إيرانية. من هذا المنظور، قد لا يحل الهجوم العسكري المشكلة فحسب، بل قد يعزز الدافع والتماسك الداخلي لمواصلة البرنامج.
تواجه أمريكا اليوم مفارقة استراتيجية: القدرة على توجيه الضربة الأولى موجودة، لكن خريطة موثوقة لإدارة الضربات اللاحقة غير موجودة. تعدد عدم اليقين – من رد إيران ومصير إسرائيل إلى الطاقة وأوروبا والملف النووي – جعل الخيار العسكري أكثر تكلفة مما يبدو للوهلة الأولى.
لهذا السبب، ما نراه ليس ترددًا ناتجًا عن الضعف، بل ترددًا نابعًا من الوعي بالتبعات؛ المكان الذي تتشكل فيه الردع الحقيقي، لا من نقص السلاح، بل من وفرة الأسئلة بلا إجابة.