نورنيوز : تظهر بيانات استطلاعات الرأي في أمريكا أن مشروع إثارة الحرب ضد إيران يفتقر إلى دعم اجتماعي. استطلاع معهد هارفارد كابس/هاريس في يناير يشير إلى أن 71% من الأمريكيين يعارضون حتى في سيناريو مزعوم "هجوم كرد فعل على قمع المتظاهرين" أي عمل عسكري. كما يؤكد استطلاع إيبسوس أن غالبية نسبية من المواطنين الأمريكيين لا يرون مسؤولية لدعم المتظاهرين المناهضين للحكومة في إيران.
تعكس هذه الأرقام تحولاً استراتيجياً: لم يتمكن الرئيس الأمريكي من بناء إجماع دولي ضد إيران فحسب، بل فشل أيضاً في حشد الرأي العام الداخلي. مجتمع متعب من الحروب المكلفة لا يرغب في الدخول في أزمة جديدة في غرب آسيا؛ خاصة في ظروف يُعتبر فيها الاقتصاد الداخلي، والانقسامات الاجتماعية، وأزمة الثقة السياسية أولويات فورية للناس.
تآكل رأس المال السياسي لترامب
وصل دونالد ترامب إلى السلطة بشعار "أمريكا أولاً"، لكن سجله في مجالات الاقتصاد، والهجرة، والسياسة الخارجية، وإدارة الأزمات الداخلية، رافقه استياء واسع. تشير التقارير إلى تسجيل شعبية سلبية بنسبة 17%؛ وهو مؤشر يعبر عن تآكل رأس ماله الاجتماعي.
في مثل هذه الظروف، يمكن أن يتحول التهديد العسكري ضد إيران، أكثر من أن يكون أداة لتعزيز الوضع الداخلي، إلى عامل لتعميق الانقسامات. عندما يعارض غالبية المجتمع الحرب، فإن أي عمل عسكري بدون إجماع وطني يضعف شرعية صانع القرار. من المنظور الاستراتيجي، رئيس جمهورية يواجه أزمة ثقة داخلية لن يمتلك القدرة على حشد سياسي واقتصادي مستدام في حال الدخول في حرب.
ظل التجارب التاريخية الثقيل
ذاكرة الأمريكيين التاريخية من الحروب السابقة هي أكبر عائق نفسي أمام حرب جديدة. تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق لا تزال حية في أذهان المجتمع. في الذكرى العاشرة للهجوم الأمريكي على العراق، أظهر استطلاع غالوب أن 53% من الأمريكيين يعتبرون تلك الحرب خطأ؛ وقد ارتفع هذا الرقم في الذكرى العشرين، وفق استطلاع أكسيوس/إيبسوس، إلى 61%.
هذه البيانات ليست مجرد إعادة سرد للماضي؛ بل تحذير للمستقبل. التكاليف بآلاف المليارات من الدولارات، والخسائر البشرية، وعدم الاستقرار الإقليمي، تذكر الرأي العام الأمريكي بحقيقة أن بدء الحرب سهل، لكن إنهاءها غير معلوم ومكلف للغاية. لهذا السبب، يؤكد عدد من السناتورات والنواب من الحزبين على ضرورة الحصول على موافقة الكونغرس وتجنب الإجراءات المتسرعة.
خط أحمر الرأي العام وعواقب خطأ الحسابات
يحاول ترامب، بادعاء "الإنقاذ" والدفاع عن الأمن العالمي، دفع حرب إدراكية ضد إيران؛ لكن التظاهرات المناهضة للحرب في أمريكا ودول أخرى تظهر أن هذه الرواية لا تجد مشترين واسعين. في الوقت نفسه، زيادة الانتقادات لارتباط السياسة الخارجية الأمريكية بنظام الاحتلال الصهيوني بعد تطورات ما يُسمى "طوفان الأقصى"، قد رفعت التكاليف السياسية لأي اشتباك جديد.
من جهة أخرى، عززت تجربة رد إيران على اغتيال الشهيد سليماني واستهداف قاعدة عين الأسد، في الأوساط التحليلية الأمريكية، الاعتقاد بأن أي حرب محتملة لن تكون بدون تكاليف متبادلة. في مثل هذا الإطار، يمكن أن يدخل خطأ في الحسابات أمريكا في دوامة تصعيد أزمة يصعب الخروج منها.
خلاصة استطلاعات الرأي ومواقف النخب السياسية والإعلامية الأمريكية تحمل رسالة استراتيجية واضحة: المجتمع الأمريكي غير مستعد لدفع تكاليف حرب جديدة. لذلك، أي قرار عسكري ضد إيران لن يواجه رد فعل متبادل إقليمي فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة داخلية للبيت الأبيض. في النظام العالمي الذي يمر بمرحلة انتقال، تكتسب الشرعية الداخلية أهمية مساوية للقدرة العسكرية؛ وهي عنصر يعاني اليوم من تزلزل جدي في معادلة ترامب.