نورنیوز

NourNews.ir

شناسه خبر : 276828 شنبه 2 اسفند 1404 14:33

عندما تتحوّل القوة إلى أداة للمتاجرة

سياسة الضغط الأقصى، والتهديدات العسكرية، والتقلبات الدبلوماسية الأمريكية تجاه إيران، أكثر من أن تكون موجهة نحو بناء اتفاق مستدام، فإنها تخدم خلق «انتصار استعراضي». لكن هذا النهج، بدلاً من تقليل التوترات الهيكلية، غالباً ما يؤدي إلى تعميق عدم الثقة، ويدفع الفاعلين الإقليميين نحو خيارات بديلة.

نورنيوز : لا ينبغي اعتبار المقال الأخير لستيفن إم. والت في مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «الهيمنة النهابة» مجرد نقد أكاديمي لأداء الإدارة الثانية لدونالد ترامب؛ بل هو في الواقع محاولة لتسمية عقيدة جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية. عقيدة إذا فُهمت بشكل صحيح، فإنها لا توضح فقط مسار النظام العالمي المستقبلي، بل توضح أيضاً مصير النزاعات الحساسة مثل المواجهة الأخيرة بين إيران وأمريكا.
يجادل والت بأن السياسة الخارجية لترامب لا يمكن تفسيرها ضمن الأطر المألوفة مثل «العزلة» أو «القومية الكلاسيكية». ما يتشكل الآن هو نوع من «الهيمنة النهابة»؛ نمط يستخدم فيه الولايات المتحدة تفوقها العسكري والمالي والجيوسياسي ليس لبناء نظام مستقر، بل لاستخلاص المكاسب، وفرض عقود غير متوازنة، وانتزاع عروض علنية للطاعة. في هذا المنظور، العالم ليس شبكة من التعاون المعقد، بل مسرحاً لصفقات قاسية وحاصل جمع صفري؛ حيث لا يهم مقدار زيادة المصالح الإجمالية، المهم أن يحصل الطرف الآخر على أقل مما تحصل عليه أنت.
في مثل هذا الإطار، تتحول الأمن إلى سلعة مشروطة. المظلة الدفاعية الأمريكية، من أوروبا إلى شرق آسيا، ليست التزاماً استراتيجياً طويل الأمد، بل أداة لانتزاع مكاسب اقتصادية. يمكن ربط الدعم العسكري بعقود تجارية، أو استثمارات إجبارية، أو تنازلات جيوسياسية. حتى «عدم القابلية للتنبؤ» الذي كان يُعتبر في التقليد الدبلوماسي عيباً، تحول الآن إلى سلاح لزيادة قوة المساومة. الرسالة واضحة: الأمن غير مضمون دون دفع تكلفة إضافية.
من النتائج الطبيعية لهذا النهج الابتعاد عن المؤسسات متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة؛ لأن في الأطر المؤسسية تُقيد قوة أمريكا بقواعد وحدود. في المقابل، المفاوضات الثنائية هي الساحة التي تُحقق فيها عدم التناسق في القوة أعلى عائد. هذا التحول قد يُنتج في المدى القصير مكاسب ملموسة، لكنه في المدى الطويل يُآكل رأس المال الائتماني لأمريكا؛ ذلك الرأس المال الذي تراكم على مدى خمسة وسبعين عاماً بعد الحرب العالمية الثانية.
هنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لتحليل والت. إذا تحولت أمريكا من «منتج للسلع العامة العالمية» إلى «لاعب نهاب»، فإن الحلفاء سيضطرون لا محالة إلى تقليل الاعتماد عليها. الضغط المفرط يدفع الدول إلى تنويع علاقاتها؛ يجب قراءة صعود الصين، وتحرك القوى المتوسطة، وتشكل التحالفات البديلة في هذا السياق. الهيمنة النهابة قد تربح على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل تدفع الآخرين إلى إيجاد سبل للهروب.
في النزاع الأخير بين إيران وأمريكا أيضاً يمكن رؤية أثر هذا المنطق نفسه. الضغط الأقصى، والتهديدات العسكرية، والتقلبات الدبلوماسية، أكثر من أن تكون موجهة نحو بناء اتفاق مستدام، فإنها تخدم إنتاج «انتصار استعراضي»؛ اتفاق يمكن تقديمه في الساحة الداخلية الأمريكية كإنجاز كبير. لكن هذا النهج، بدلاً من تقليل التوترات الهيكلية، غالباً ما يؤدي إلى تعميق عدم الثقة، ويدفع الفاعلين الإقليميين نحو خيارات بديلة. بالنسبة لإيران، الوضع مزدوج: من جهة تزداد الضغوط اللحظية وغير القابلة للتنبؤ؛ ومن جهة أخرى، الشقوق داخل النظام الغربي ومسار التحول متعدد الأقطاب يخلقان فرصاً جديدة.
التحذير الرئيسي لوالت هو أن القوة لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد أو القدرة العسكرية؛ بل تعتمد أيضاً على الائتمان والثقة والقدرة على التنبؤ. إذا أنفقت أمريكا هذا الرأس المال غير المرئي مقابل مكاسب فورية، فربما تحصل اليوم على امتيازات، لكنها غداً ستواجه عالماً أقل رغبة في الامتثال. في مثل هذا العالم، ستكون إدارة الأزمات أكثر كلفة، والتحالفات أكثر هشاشة، والردع أكثر صعوبة.
«الهيمنة النهابة» ليست مجرد وصف لأسلوب حكم؛ إنها وصف للحظة تاريخية يختار فيها أكبر قوة في العالم بين الربح قصير الأمد وموقعها طويل الأمد. نتيجة هذا الاختيار لن تحدد مصير أمريكا فحسب، بل ترتيب النظام العالمي للعقد القادم، ومكانة دول مثل إيران فيه.

کلیه حقوق این سایت برای نورنیوز محفوظ است. نقل مطالب با ذکر منبع بلامانع است.
Copyright © 2024 www.NourNews.ir, All rights reserved.