نور نيوز - في السياسة الأمريكية، أخطر منافس لقائد ليس العدو الخارجي؛ بل هو من يتخذ وضعية القيادة داخل المعسكر نفسه. المسألة مع ليندسي غراهام تبدأ بالضبط من هنا؛ حيث لم يعد مجرد «سيناتور مخلص لترامب»، بل يسعى لتقديم نفسه كعقل حزب الجمهوريين الموجه وقيّم غير رسمي للترامبية.
خلال السنوات الأخيرة، يعيد ليندسي غراهام تعريف موقعه داخل حزب الجمهوريين بشكل متعمد. هو ليس زعيم الحزب الرسمي ولا مرشحًا للرئاسة؛ لكنه بالضبط لهذا السبب يلعب دور «الزعيم من دون تكلفة». يحاول غراهام في اللحظات الحساسة – الأمن القومي، إيران، الحرب، العقوبات، والسياسة الخارجية القاسية – أن يكون الصوت الغالب؛ صوتًا يرجع إليه الآخرون، تبرزه الإعلام، وتعتبره قاعدة الحزب معيارًا. هذا هو القيادة غير الرسمية لكنها الفعّالة؛ قيادة لا تنبع من صناديق الاقتراع، بل من احتكار السرد.
في هذا الإطار، لم تعد علاقة غراهام بدونالد ترامب علاقة «زعيم–داعم»؛ بل تتحول تدريجيًا إلى علاقة «بطل–أب روحي». يعرف غراهام أن ترامب يبحث عن صناعة بطولة شخصية، وملف إيران هو أفضل مسرح لهذا العرض. لكن الفرق يكمن هنا: من يكتب سيناريو هذه البطولة؟ عندما يستخدم غراهام تهديدًا عسكريًا، وضغطًا أقصى، ولغة متطرفة، فإنه في الواقع يحدد المسار ويضع ترامب في الطريق الذي صُمم مسبقًا.
هذا السلوك له معنى داخل حزب الجمهوريين أيضًا. يحاول غراهام إظهار نفسه كشخص يفهم ترامب، ويسيطر عليه، وحتى يضبطه عند الضرورة. في تجمعات النخب الحزبية، خاصة التيارات الجمهورية التقليدية الأكثر، ينقل هذه الرسالة: «ترامب بدوني خطر، ومعي يمكن إدارته». هذا بالضبط الموقع الذي يحدده الأب الروحي لنفسه؛ ليس أمام الزعيم، بل فوقه.
نشر صور متكررة لغراهام إلى جانب ترامب، خاصة في أماكن شخصية مثل ملعب الغولف، ليس مجرد عرض صداقة؛ بل له رسالة سياسية. هذه الصور تقول: «أنا أملك الوصول إلى خصوصية السلطة». بالنسبة لترامب الذي يعتبر القيادة أمرًا شخصيًا تمامًا، احتكاريًا، وقائمًا على المسافة، فهذا إنذار خطير جدًا. لا يريد ترامب أن يعتقد أحد أن القرارات تُتخذ في مكان آخر وهو فقط يوقّع.
من ناحية أخرى، من خلال وضع حدود للمعارضة الإيرانية ورفض دعم شخصيات مثل رضا بهلوي، يلعب غراهام فعليًا دور الحكم النهائي؛ الشخص الذي يقرر أي خيار مشروع وأي خيار غير مشروع. هذا المستوى من التدخل يتجاوز دور سيناتور؛ إنه سلوك شخص يرى نفسه مالك الملف. لكن هذا الملف نفسه هو ما يراه ترامب ملكية سياسية شخصية له.
التناقض الرئيسي يكمن هنا بالضبط: ترامب يريد أن يكون الزعيم المطلق لحزب الجمهوريين؛ غراهام يريد أن يكون الزعيم العاقل في الكواليس.
هذان الدوران لا يمكن جمعهما معًا في الوقت نفسه. في النهاية، إما أن يقبل ترامب بوجود أب روحي يحدد المسار، أو يصل إلى نتيجة أن ليندسي غراهام، أكثر من كونه حليفًا مخلصًا، يبني قيادة موازية في قلب حزب الجمهوريين. وبالنسبة لترامب، لا شيء أكثر تحفيزًا من الشعور بأن آخر يتظاهر بأنه الزعيم.