نورنيوز: أظهر توقيع ترامب على أمر الرسوم الجمركية مباشرةً بعد انتهاء محادثات مسقط أن واشنطن لا تزال مُتمسكة بسياسة الضغط والترهيب لإجبار إيران على الاستسلام. ورغم أن اجتماع عُمان قد رافقه رسائل دبلوماسية إيجابية، إلا أن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% وعقوبات جديدة على 17 فرداً وكياناً إيرانياً حمل رسالة واضحة: أمريكا لا تستخدم التفاوض كسبيلٍ للتفاهم، بل كأداة حربٍ معرفية لخداع إيران واختبار خطوطها الحمراء. هذا السلوك هو استمرارٌ لسيناريو "الشرطي الطيب/الشرطي السيئ" بين واشنطن وتل أبيب؛ وهو نموذج يهدف إلى الجمع بين التفاوض والتهديدات لفرض أقصى قدرٍ من المطالب.
الاستنزاف المتناوب: أداة للإخضاع الإدراكي
يُعدّ مرسوم التعريفة الجمركية استمرارًا لاستراتيجية صممتها الولايات المتحدة على مدى عقدين من الزمن لإضعاف إرادة صانعي القرار الإيرانيين؛ وهي سياسة تستهدف في آنٍ واحد الاقتصاد، وعلم النفس الاجتماعي، والحسابات الأمنية. وبالاعتماد على الضغط الاقتصادي، يسعى ترامب إلى دفع إيران إلى حافة الأزمة الداخلية، ودفع صانعي القرار إلى مسار خاطئ. وفي الوقت نفسه، تُكمّل الاستعراضات العسكرية، مثل وجود قائد القيادة المركزية الأمريكية في عُمان، والجو الإعلامي الذي تُهيئه الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن خيارات الهجوم، الحرب المعرفية لزيادة الخوف وإضعاف المقاومة الإيرانية. وتستغل سياسة الاستنزاف التدريجي هذه مساحة التفاوض تدريجيًا لفرض مطالب صاروخية وإقليمية.
تعطيل ساحة النظام العالمي الجديد
لا يمكن تقييم سلوك ترامب على أنه مجرد عداء لإيران؛ بل هو جزء من مخطط أمريكا الكبير لتعطيل عملية تشكيل نظام عالمي متعدد الأطراف. تعجز واشنطن عن تحقيق التوازن في مواجهة الصين وروسيا ومجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، لذا فهي تسعى إلى زعزعة استقرار الساحة الدولية باستهداف دول مثل إيران وفنزويلا والبرازيل والهند. ويُعدّ الحظر النفطي الإيراني في جوهره محاولةً للإضرار بسلسلة الطاقة الصينية، بينما تُمثّل الرسوم الجمركية العقابية المفروضة على شركاء إيران الاقتصاديين حلقة ضغط غير مباشرة على القوى الصاعدة. ويعكس هذا النمط من الردع التصوري التحديَ الهيمني الذي يواجه العالم متعدد الأقطاب.
دبلوماسية المقاومة: الرد الاستراتيجي الإيراني
من خلال الحفاظ على أطرها الرئيسية والتأكيد على حقوقها النووية والإقليمية والأمنية، أحبطت إيران هذا المشروع بفعالية. وقد دفع قرار طهران بمواصلة المفاوضات مع الاستعداد لرد حاسم واشنطن من الخيار العسكري إلى مسار الحوار. في ظل هذه الظروف، لن يعني أي اتفاق مفروض مجرد تراجع، بل سيُضعف أيضًا الردع الوطني. وقد أدركت إيران أن المفاوضات تحت التهديد لا طائل منها، وأن ثمن "الاستسلام التصوري" يفوق ثمن أي صراع عسكري. لم تعد المقاومة الذكية مجرد موقف تكتيكي، بل أصبحت جزءًا من العمل المضاد للخطة العالمية الرامية إلى زعزعة النظام الجديد من قبل الولايات المتحدة والنظام الصهيوني.