نورنیوز

NourNews.ir

شناسه خبر : 273511 جمعه 17 بهمن 1404 11:41

خلف كواليس الرواية المعادية لإيران الذي يُسيّر حسابات ترامب

عندما يتحدث الرئيس الأمريكي عن "سيطرة المتظاهرين على المدن الإيرانية" و"الانهيار الوشيك"، بينما تُشير البيانات الميدانية إلى خلاف ذلك، فليس الأمر مجرد خطأ لفظي، بل هو جزء من سلسلة سردية تمر عبر مراكز الأبحاث وشبكات الإعلام وجماعات الضغط، لتصل في النهاية إلى طاولة صنع القرار.

نورنيوز: تخيّلوا هذا المشهد: يقف الرئيس الأمريكي أمام الكاميرا ويقول بثقة إن المتظاهرين في إيران سيطروا على المدن الكبرى؛ يتحدث عن "السيطرة على مشهد"، وعن وجود الملايين في الشوارع، وعن النظام السياسي الذي بات على وشك الانهيار، بل ويطرح فكرة أن ضغطًا أو هجومًا محدودًا كفيل بإتمام هذه العملية. بعد فترة وجيزة، تتناقض هذه الادعاءات مع البيانات الميدانية والتقارير المستقلة. فالصور والإحصاءات تُشير إلى غير ذلك. وهنا يبدأ السؤال: من أين أتت هذه الصورة؟

لم يقتصر الأمر على الاضطرابات الأخيرة، بل دأب ترامب على مر السنين على الترويج لروايات حول إيران ثبت أنها مبالغ فيها أو مبنية على بيانات ناقصة وتقارير غير موثقة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ بدءًا من ادعائه أن المتظاهرين رفعوا صورته خلال الاحتجاجات الأخيرة، مرورًا بوصفه سيطرة المعارضة "الكاملة" على الشوارع، وصولًا إلى تصريحه الأخير باستمرار الفوضى والاضطرابات في إيران. إن تكرار هذا النمط يتجاوز مجرد خطأ عابر ليصبح قضية تتعلق بـ"سلسلة المعلومات".

في عالم السياسة اليوم، نادرًا ما يتلقى الرؤساء بيانات خام. ما يصل إلى مكاتبهم هو نتاج مراحل متعددة من المعالجة: تقارير مراكز الأبحاث، والنشرات العاجلة، وتحليلات وسائل الإعلام، وبيانات وسائل التواصل الاجتماعي، ومذكرات المستشارين. وفيما يتعلق بإيران، توجد شبكة متماسكة نسبيًا من منظمات أبحاث السياسات والضغط التي تركز منذ سنوات على إنتاج رواية قائمة على التهديد. وفي قلب هذه الشبكة، يتردد اسمان كثيرًا: UANI وFDD.

منظمة "متحدون ضد إيران النووية" (UANI) هي منظمة غير حكومية في الولايات المتحدة الأمريكية، تُركز على الضغط الاقتصادي والعقوبات على إيران، وتسعى، من خلال نشر التقارير وإطلاق الحملات، إلى ثني الشركات والمؤسسات الدولية عن التعاون معها. أما "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD)، فهي مركز أبحاث مقره واشنطن، ينشط في مجال الأمن القومي وسياسة الشرق الأوسط، ويُعرف بمواقفه المتشددة تجاه إيران. وتُستخدم تقاريره وتحليلاته على نطاق واسع في وسائل الإعلام، بل وحتى في جلسات الاستماع الرسمية في الكونغرس.

يحيط بهذه النواة حلقة من المحللين والمعلقين النشطين الذين يُنتجون محتوىً عن إيران بشكل منتظم، ويُستشهد بهم بكثرة في وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنجليزية؛ ومن أمثال بهنام طالبلو، وقاسمي نجاد، وبرودسكي، وغيرهم. لا يقتصر الأمر على وجود هؤلاء الأفراد فحسب، بل الأهم هو التوافق السردي بين إنتاجاتهم. إذ تُنشر تقديرات متشائمة أو سيناريوهات متطرفة في فترة وجيزة عبر قنوات قليلة، ويبدو ذلك للجمهور السياسي وكأنه إجماع خبراء.

عادةً ما تسير الأمور على النحو التالي: يُنشر تقرير تحذيري، ثم تُضخّمه بعض الروايات الشعبية، وتُعيد نشره محطات التلفزيون الناطقة بالفارسية في الخارج، ثم تُعيد وسائل الإعلام الرئيسية نشره، وفي النهاية، يصبح هذا الطرح هو "الرأي السائد". وخلال هذه العملية، يتلاشى التمييز بين "الاحتمالية" و"التحليل" و"الواقع". وعندما تصل هذه المعلومات إلى سياسي يميل إلى التقارير الموجزة والسرديات المبسطة، يزداد خطر الخطأ في الإدراك.

لا يقتصر عواقب هذا الخطأ على مجرد كلمة خاطئة تُقال من على المنصة. فإذا استنتج صانع قرار رفيع المستوى، بناءً على هذه الصورة، أن الطرف الآخر على وشك الانهيار، فسيرى أن الخيارات الأكثر خطورة منطقية: فرض أقصى العقوبات مع توقع انهيار سريع، أو حتى عمل عسكري محدود بافتراض عدم وجود رد فعّال. هنا، قد تتحول الرواية الخاطئة إلى قرار استراتيجي مكلف، لا يقتصر تأثيره على الجانبين فحسب، بل قد يمتد ليشمل النظام الإقليمي والدولي.

في غضون ذلك، لا يمكن اختزال دور إسرائيل في هذه السلسلة السردية إلى مجرد استعراض سياسي. فقد أشار مسؤولون إسرائيليون، بمن فيهم بنيامين نتنياهو، مرارًا وتكرارًا إلى "صناعة السرديات" و"العمليات الإعلامية" كجزء من أدوات القوة والأمن القومي.

على مدى السنوات الماضية، ركزت شبكة من مؤسسات الضغط ومراكز الأبحاث والمشاريع الإعلامية والمحللين المقربين من الخطاب الأمني ​​الإسرائيلي باستمرار على تسليط الضوء على التهديد الإيراني وضرورة ممارسة أقصى قدر من الضغط. ويُظهر التداخل الزمني والموضوعي بين هذا التدفق ومخرجات بعض مراكز الفكر المؤثرة في واشنطن أننا لا نتعامل مع تدفق متفرق فحسب، بل مع منظومة متكاملة لبناء السرديات. في هذا الإطار، يمكن افتراض أن بعض البيانات المبالغ فيها أو المتحيزة التي تدخل دورة التحليل ثم حزم صنع القرار تُنتج وتُضخّم في هذه الشبكة نفسها، ويمكن أن تؤثر في نهاية المطاف على تصور ترامب للواقع على الأرض في إيران.

السؤال المحوري هو: كيف تبدو خريطة تدفق البيانات؟ من ينتج البيانات الأولية؟ من يفسرها؟ ما هي وسائل الإعلام التي تجعلها تبدو ذات مصداقية؟ وكيف تصل هذه المعلومات إلى الرئيس؟ عندما يتم رسم هذه الخريطة، يتضح أن بعض الروايات الكاذبة ليست نتيجة خطأ عشوائي؛ بل هي نتاج نظام بيئي لخلق الروايات، نظام بيئي يمكن أن يحيط بعقل صانع القرار ويغير مسار القرارات الكبيرة.

کلیه حقوق این سایت برای نورنیوز محفوظ است. نقل مطالب با ذکر منبع بلامانع است.
Copyright © 2024 www.NourNews.ir, All rights reserved.