نورنيوز - 29 نوفمبر، مسجّل منذ سنوات في تقويم الأمم المتحدة باسم «اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني» ليكون تذكيراً بحق تقرير المصير ومظلومية الشعب الفلسطيني. لكن الواقع الميداني يظهر أن هذا اليوم، رغم وزنه الرمزي، يعكس الهوة العميقة بين ادعاءات المجتمع الدولي وأدائه العملي أمام الاحتلال والإبادة الجماعية.
منذ عام 1947 وحتى اليوم، لم تستطع الهياكل الدولية ليس فقط أن توقف عدوان الكيان الصهيوني، بل ساهمت عملياً - من خلال سياسات الصمت أو التغاضي أو الدعم المباشر - في توفير الظروف لتوسع الاحتلال من غزة إلى القدس والضفة الغربية. في المقابل، حوادث مثل «طوفان الأقصى» حوّلت قضية فلسطين من موضوع إقليمي بحت إلى ملف عالمي، وأثبتت أن قوة التحولات النابعة من المقاومة كانت أكثر فعالية من أي طاولة دبلوماسية عقيمة.
مخططات أخفت جذور الأزمة
خلال الثمانية عقود الماضية، شهد العالم وصفات علاجية متعددة لحل قضية فلسطين؛ من «حل الدولتين» و«كامب ديفيد» و«أوسلو» إلى «الشرق الأوسط الجديد» و«اتفاقيات إبراهيم». لكن أياً منها لم يؤدِّ إلى سلام دائم، لأنها كلها بُنيت على خطأ مشترك: محاولة حل القضية دون معالجة الجذور التاريخية للأزمة.
من «سايكس-بيكو» عام 1916 و«وعد بلفور» عام 1917 إلى فترة الاستعمار البريطاني، كل هذه النقاط التاريخية شكّلت أساس نشأة كيان قام على رواية مزيفة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». الصهيونية السياسية، بدعم منظومة الرأسمالية الغربية، زرعت في قلب غرب آسيا كياناً مسلحاً وتوسعياً لتحويل ليس فلسطين فقط، بل المنطقة بأكملها إلى ساحة لمصالح الغرب الاستراتيجية.
طالما لم تُعالج هذه الجذور، وطالما لم يُحاسب الكيان المحتل وحماته، وطالما لم يُعترف بحق الدفاع المشروع لفلسطين، فسيظل يوم التضامن مجرد احتفالية بروتوكولية فارغة.
هدنات استعراضية واستمرار خداع هياكل السلطة
في أعتاب 29 نوفمبر هذا العام، شهدنا مجدداً موجة من الإيماءات «الحقوقية» الغربية؛ من الخطة المزعومة المكونة من 20 بنداً إلى الاجتماعات التمثيلية مثل شرم الشيخ. لكن الواقع الميداني في غزة يقول شيئاً آخر: الإبادة الجماعية لم تتوقف.
حسب وكالة «الأونروا»، لم يدخل سوى 35% من المساعدات المزعومة إلى غزة، والأدوية والمعدات الصحية ما زالت محظورة. منظمة العفو الدولية أعلنت رسمياً أن «الإبادة الجماعية لم تتوقف ولا يجوز للعالم أن يُخدع».
في الوقت نفسه، تمارس وسائل الإعلام الغربية رقابة منهجية، وتعيد إنتاج الروايات الصهيونية وتبييض الجرائم في غزة والقدس والضفة الغربية ولبنان وسوريا. هذا النهج لا يعمّق الأزمة فحسب، بل يعطي الكيان الصهيوني ثقة زائفة في بنيته الأمنية، مما أدى إلى توسيع الهجمات عبر الحدود وتهديد استقرار المنطقة.
كان 29 نوفمبر هذا العام مرآة لتكرار الخدعة التاريخية ذاتها: الغرب يدافع عن حقوق الإنسان بالكلام، ويدعم الإبادة الجماعية بالفعل.
نموذج المقاومة: عالم استيقظ من سباته رغم كل هذا الظلام، اكتسب 29 نوفمبر اليوم معنى آخر: دليل على عولمة نموذج المقاومة. منذ «طوفان الأقصى» فصاعداً، لم تعد المقاومة عملاً عسكرياً فقط؛ بل صارت الرواية السائدة في الحرب الإعلامية، وساحة القانون الدولي، والرأي العام العالمي، والحركات الطلابية.
اليوم، لم تعد صورة فلسطين الحقيقية تأتي من الشبكات الغربية، بل من 70 ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى، ومليوني نازح جائع لكنه صامد؛ رواية هزّت العالم وجعلت الكيان الصهيوني أكثر أنظمة العالم كراهية.
رسالة الرئيس الصيني أكدت أيضاً أن قضية فلسطين «اختبار لنظام الحوكمة العالمية»، وأن على المجتمع الدولي مواجهة جذور الأزمة وجعل العدالة أساساً.
لقد صارت المقاومة اليوم معيار تمييز «الجانب الصحيح من التاريخ»، وسوف تُحدث مستقبلاً مختلفاً؛ مستقبلاً ستحل فيه دموع طويلة محل ضحكات الصهاينة القصيرة.